عاشق الحرف
24-07-2007, 03:34 PM
الطريق إلى بيت جدتي
كانت الشمس بردائها الأصيلي قد بدأت تغزل مواويل الرحيل عندما انتهت إلى أنه لم يبق على موعد الإفطار سوى ساعة واحدة 00 كنت قد تأخرت كثيراً إذ كان مطلوباً مني كل يوم في رمضان أن اذهب ببعض الأغراض لجدتي وأحضر من عندها بعض الأغراض الأخرى 0 عندما وصلت وجدتها جالسة عند موقد الغاز الذي لا يقل عنها عمراً 00 كان السكون يغلف المكان إلا من صوت المذياع ومنه تنطلق تلاوة عذبة من القرآن الكريم 00كان الشعور الخالد بعظمة الصيام والروحانية المتألقة تثير السعادة في قلبي 00 خطوت نحو الداخل ومعي إحدى عشرة سنة 00 لم تلتفت إليّ ولكني سمعتها تهتف باسمي مرحبة ، أسرعت إلى تقبيل رأسها كما كنت أفعل دائماً ونبهتها إلى أن الوقت ضيق فابتسمت وهزت رأسها إلى أنها تدرك ذلك 00 تأملت تجاعيد وجهها 00كانت فوق السبعين 00وأنتفضت إذ ذكرت أنني قد اصبح مثلها يوماًُ ما 00 سألتها :
- جدتي 00 لماذا لا تبنين مسكناً جديداً ؟ 00 لماذا تفضلين العيش لوحدك ؟
مر وقت كاف لأظن بأنها لم تسمعني 00 ولكنها قالت بعدها :
- يا بني 00 ما عدت أبغي من حياتي المزيد 00 وبهجة الحياة ربما فقدها من بلغوا ما بلغت 0
دهشت رغم أنني لم أفهم جيداً فقلت :
- لماذا ؟
قالت وهي تضع بعض الأغراض في الكيس :
= غداً - يا ولدي - عندما تكبر ستعرف لماذا ؟ 00 غداً عندما يتفجر بدنك شباباً ستجد في نفسك ما لا أجده في نفسي الآن 00 ويوما ما ستصبح مثلي تحدث الصغار عن ذلك الفرق 00 وعن روعة الحياة 0
سكتت جدتي وهي تناولني الكيس وتقول :
- الآن مع السلامة 00 لقد تأخرت 0
قبلت رأسها مرة أخرى وما كدت أسير بضع خطوات حتى هتفت :
= انتظر 00 سأعطيك ريحاناً لأمك 0
وقبل أن تخطو خطوتين نحو الريحانة كنت قد سبقتها وأنا أصيح :
- عنك يا جدتي 00 أنا سأقطفه 0
سارعت إلى شجيرات الريحان 00 كانت متشابكة وملتفة وتحتها نبات النعناع برائحته الزكية 00 وكان كثيفاً لدرجة أنني لم أبصر ما تحته 00 وضعت قدمي على أطرافه مضطراً لأقطف الأطراف العليا من الريحان 00 وما هي إلا لحظات حتى شعرت بألم شديد في قدمي 00 صرخت وأنا أعتقد أنها لدغة ثعبان 00 هرعت جدتي و احتضنتني وهي تتمتم " اسم الله عليك 00 اسم الله عليك " 00 كنت خائفاً جداً والألم يتزايد وقدمي بدأت تتورم قليلاً 00 أخذت جدتي تغسل مكان الجرح 00 ثم أحضرت مسحوقاً أصفراً ورشته عليه وهي تقول :
= لا تخف 00 سيزول الألم تماماً 00 كن رجلاً شجاعاً0
أثناء ذلك لمحت الشمس وهي تغيب تماماً وتأكدت أنني لن ألحق إفطار البيت ولكني كنت سعيداً وأنا أتناول الإفطار مع جدتي 00 كان إفطاراً رائعاً لم تتكلم جدتي خلاله أبداً بل كانت تتمتم بالدعاء بين فترة وأخرى 00 كان الألم يتضاءل بالفعل 00 سألتها من جديد :
- لماذا يا جدتي يكبر الناس ؟ 00 لماذا لا يبقون صغاراً ؟
ابتسمت من جديد وهي تحتسي فنجاناً ضخماً من القهوة وقالت :
= أيضا عندما تكبر ستعرف لماذا ؟
تضايقت وصحت :
- يعني كلما سألتك تقولين " عندما تكبر " 00 عندما تكبر 00 لا أريد أن أكبر 00
هذه المرة قهقهت حتى رأيت بقية أسنانها المتهالكة 00 ثم قالت وهي تنظر في بقية فنجانها :
= عندما تكبر 00 عندما تكبر – بابني – ستدرك سر الحياة 00 وحكمة الخالق 00 وستعرف لماذا نكبر نشيخ 00 ولماذا لا نظل أقوياء دائماً 000
00 قطع حديثها دخول أبي 00 ذهبنا إلى المستشفى وسار كل شيء على ما يرام والحمد لله 0
أظنني كبرت وفكرت كثيراً في الأسئلة التي سألتها جدتي 00 حتى في عمر جدتي لدينا مهام تحفظ توازن الحياة 00 وعندما رأيت تلك الشعرة البيضاء في مفرقي لأول مرة لم أرتعش ولكني ألقيت نظرة على ابنتي الصغيرة وأنا أتمتم " ها هي المهام قادمة يا جدتي " 0
أشعر دائماً أن الطريق إلى منزل جدتي قد حفرت معالمها في ذاكرتي 00 ونقشت ذكريات مسيري إليها في قلبي 00 كلما أطل رمضان كان من المستحيل ألا أتذكر ذلك 00 ورغم أنها رحلت من سنين طويلة إلا أنني في رمضان أزور بيتها كثيراً 00 أزور الريحانة وأسقيها 00 وأتفقد البيت 00 وأجدني أحياناً ( أربت ) على الجدار والأبواب كما لو كان أعز الأحباب 00 وقد كانت جدتي كذلك 0
كانت الشمس بردائها الأصيلي قد بدأت تغزل مواويل الرحيل عندما انتهت إلى أنه لم يبق على موعد الإفطار سوى ساعة واحدة 00 كنت قد تأخرت كثيراً إذ كان مطلوباً مني كل يوم في رمضان أن اذهب ببعض الأغراض لجدتي وأحضر من عندها بعض الأغراض الأخرى 0 عندما وصلت وجدتها جالسة عند موقد الغاز الذي لا يقل عنها عمراً 00 كان السكون يغلف المكان إلا من صوت المذياع ومنه تنطلق تلاوة عذبة من القرآن الكريم 00كان الشعور الخالد بعظمة الصيام والروحانية المتألقة تثير السعادة في قلبي 00 خطوت نحو الداخل ومعي إحدى عشرة سنة 00 لم تلتفت إليّ ولكني سمعتها تهتف باسمي مرحبة ، أسرعت إلى تقبيل رأسها كما كنت أفعل دائماً ونبهتها إلى أن الوقت ضيق فابتسمت وهزت رأسها إلى أنها تدرك ذلك 00 تأملت تجاعيد وجهها 00كانت فوق السبعين 00وأنتفضت إذ ذكرت أنني قد اصبح مثلها يوماًُ ما 00 سألتها :
- جدتي 00 لماذا لا تبنين مسكناً جديداً ؟ 00 لماذا تفضلين العيش لوحدك ؟
مر وقت كاف لأظن بأنها لم تسمعني 00 ولكنها قالت بعدها :
- يا بني 00 ما عدت أبغي من حياتي المزيد 00 وبهجة الحياة ربما فقدها من بلغوا ما بلغت 0
دهشت رغم أنني لم أفهم جيداً فقلت :
- لماذا ؟
قالت وهي تضع بعض الأغراض في الكيس :
= غداً - يا ولدي - عندما تكبر ستعرف لماذا ؟ 00 غداً عندما يتفجر بدنك شباباً ستجد في نفسك ما لا أجده في نفسي الآن 00 ويوما ما ستصبح مثلي تحدث الصغار عن ذلك الفرق 00 وعن روعة الحياة 0
سكتت جدتي وهي تناولني الكيس وتقول :
- الآن مع السلامة 00 لقد تأخرت 0
قبلت رأسها مرة أخرى وما كدت أسير بضع خطوات حتى هتفت :
= انتظر 00 سأعطيك ريحاناً لأمك 0
وقبل أن تخطو خطوتين نحو الريحانة كنت قد سبقتها وأنا أصيح :
- عنك يا جدتي 00 أنا سأقطفه 0
سارعت إلى شجيرات الريحان 00 كانت متشابكة وملتفة وتحتها نبات النعناع برائحته الزكية 00 وكان كثيفاً لدرجة أنني لم أبصر ما تحته 00 وضعت قدمي على أطرافه مضطراً لأقطف الأطراف العليا من الريحان 00 وما هي إلا لحظات حتى شعرت بألم شديد في قدمي 00 صرخت وأنا أعتقد أنها لدغة ثعبان 00 هرعت جدتي و احتضنتني وهي تتمتم " اسم الله عليك 00 اسم الله عليك " 00 كنت خائفاً جداً والألم يتزايد وقدمي بدأت تتورم قليلاً 00 أخذت جدتي تغسل مكان الجرح 00 ثم أحضرت مسحوقاً أصفراً ورشته عليه وهي تقول :
= لا تخف 00 سيزول الألم تماماً 00 كن رجلاً شجاعاً0
أثناء ذلك لمحت الشمس وهي تغيب تماماً وتأكدت أنني لن ألحق إفطار البيت ولكني كنت سعيداً وأنا أتناول الإفطار مع جدتي 00 كان إفطاراً رائعاً لم تتكلم جدتي خلاله أبداً بل كانت تتمتم بالدعاء بين فترة وأخرى 00 كان الألم يتضاءل بالفعل 00 سألتها من جديد :
- لماذا يا جدتي يكبر الناس ؟ 00 لماذا لا يبقون صغاراً ؟
ابتسمت من جديد وهي تحتسي فنجاناً ضخماً من القهوة وقالت :
= أيضا عندما تكبر ستعرف لماذا ؟
تضايقت وصحت :
- يعني كلما سألتك تقولين " عندما تكبر " 00 عندما تكبر 00 لا أريد أن أكبر 00
هذه المرة قهقهت حتى رأيت بقية أسنانها المتهالكة 00 ثم قالت وهي تنظر في بقية فنجانها :
= عندما تكبر 00 عندما تكبر – بابني – ستدرك سر الحياة 00 وحكمة الخالق 00 وستعرف لماذا نكبر نشيخ 00 ولماذا لا نظل أقوياء دائماً 000
00 قطع حديثها دخول أبي 00 ذهبنا إلى المستشفى وسار كل شيء على ما يرام والحمد لله 0
أظنني كبرت وفكرت كثيراً في الأسئلة التي سألتها جدتي 00 حتى في عمر جدتي لدينا مهام تحفظ توازن الحياة 00 وعندما رأيت تلك الشعرة البيضاء في مفرقي لأول مرة لم أرتعش ولكني ألقيت نظرة على ابنتي الصغيرة وأنا أتمتم " ها هي المهام قادمة يا جدتي " 0
أشعر دائماً أن الطريق إلى منزل جدتي قد حفرت معالمها في ذاكرتي 00 ونقشت ذكريات مسيري إليها في قلبي 00 كلما أطل رمضان كان من المستحيل ألا أتذكر ذلك 00 ورغم أنها رحلت من سنين طويلة إلا أنني في رمضان أزور بيتها كثيراً 00 أزور الريحانة وأسقيها 00 وأتفقد البيت 00 وأجدني أحياناً ( أربت ) على الجدار والأبواب كما لو كان أعز الأحباب 00 وقد كانت جدتي كذلك 0